المقريزي
16
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ورأس الميزان ، ومدار الشمس والقمر ، وسائر النجوم على محاذاة دائرة فلك البروج دون دائرة معدّل النهار وتمرّ الشمس على دائرة معدّل النهار عند حلولها بنقطتي الاعتدالين فقط لأنها موضع تقاطع الدائرتين ، وهذا هو خط الاستواء الذي لا يختلف فيه الزمان بزيادة الليل على النهار ولا النهار على الليل . لأنّ ميل الشمس عنه إلى كلا الجانبين الشماليّ والجنوبيّ سواء فالشمس تدور الفلك وتقطع الاثني عشر برجا في مدّة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم بالتقريب . وهذه هي : مدّة السنة الشمسية وتقيم في كل برج ثلاثين يوما وكسرا من يوم ، وتكون أبدا بالنهار ظاهرة فوق الأرض ، وبالليل بخلاف ذلك وإذا حلت في البروج الستة الشمالية التي هي : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة فإنها تكون مرتفعة في الهواء قريبة من سمت رؤوسنا وذلك زمن فصل الربيع وفصل الصيف ، وإذا حلت في البروج الجنوبية وهي : الميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت ، كان فصل الخريف وفصل الشتاء ، وانحطت الشمس وبعدت عن سمت الرؤوس . وزعم وهب بن منبه أن أوّل ما خلق اللّه تعالى من الأزمنة الأربعة الشتاء فجعله باردا رطبا ، وخلق الربيع فجعله حارا رطبا ، وخلق الصيف فجعله حارا يابسا ، وخلق الخريف فجعله باردا يابسا ، وأوّل الفصول عند أهل زماننا الربيع ويكون فصل الربيع عندما تنتقل الشمس من برج الحوت ، وقد اختلف القدماء في البداية من الفصول فمنهم من اختار فصل الربيع وصيّره أوّل السنة ، ومنهم من اختار تقديم الانقلاب الصيفيّ ، ومنهم من اختار تقديم الاعتدال الخريفيّ ، ومنهم من اختار تقديم الانقلاب الشتويّ ، فإذا حلت أوّل جزء من برج الحمل استوى الليل والنهار واعتدل الزمان وانصرف الشتاء ودخل الربيع ، وطاب الهواء ، وهبّ النسيم ، وذاب الثلج ، وسالت الأودية ، ومدّت الأنهار فيما عدا مصر ، ونبت العشب ، وطال الزرع ، ونما الحشيش وتلألأ الزهر وأوراق الشجر ، وتفتح النور ، واخضرّ وجه الأرض ونتجت البهائم ، ودرت الضروع ، وأخرجت الأرض زخرفها ، وازينت وصارت كصبية شابة قد تزينت للناظرين وللّه درّ القائل ، وهو الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليعمريّ رحمه اللّه تعالى : واستنشقوا لهوا الربيع فإنه * نعم النسيم وعنده ألطاف يغذي الجسوم نسيمه وكأنه * روح حواها جوهر شفاف وقال ابن قتيبة : ومن ذلك الربيع يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء ويأتي فيه النور ، والورد ، ولا يعرفون الربيع غيره ، والعرب تختلف في ذلك فمنهم من يجعل الربيع الفصل الذي تدرك فيه الثمار ، وهو الخريف وفصل الشتاء بعده ثم فصل الصيف بعد الشتاء وهو الوقت الذي تدعوه العامّة الربيع ثم فصل القيظ وهو الذي تدعوه العامّة الصيف ، ومن العرب من يسمي الفصل الذي يعتدل وتدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأوّل ، ويسمى الفصل الذي يتلوه الشتاء ويأتي فيه الكمام والنور الربيع الثاني وكلهم مجتمعون على